روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
30
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 16 إلى 17 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) وقال أبو بكر بن طاهر : أشار الحقّ إلى إخلاص عباده المخلصين ؛ بأنهم بذلوا لمحبوبهم قلوبهم بالإيمان بالغيب ، وبذلوا له نفوسهم بالخدمة والعبودية ، بقوله سبحانه وتعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وبذلوا له ما ملّكهم ، فلم يبخلوا عليه بشيء من ذلك ، علما بأنها عوار في أيديهم ، وهو تعالى المالك لها ولهم على الحقيقة ، بقوله : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . بأنها أسباب الوصول الحق كلا فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي : رعونة تشغّلها قبول الحق ، وتلهّيها بقبول الخلق . وأيضا أي : غفلة عن ذكر العقبي ، وهمّة مشغولة بحب الدنيا فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بتبعيدهم من قربه ، وتشغيلهم عن ذكره . وقيل : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : بخلوّها من العصمة والتوفيق والرعاية . وقال بعضهم : بميلهم إلى نفوسهم ، وتعظيم طاعتهم عندهم ، ومن مال إلى شيء عمي عن غيبه ، فزادهم اللّه مرضا ؛ بأن حسّن عندهم قبائحهم ، فافتخروا بها . وقال سهل : « المرض » : الرياء والعجب وقلة الإخلاص ، وذلك مرض لا يداوى إلا بالجوع والتقطّع . وقال أيضا : « مرض » : بقلة المعرفة بنعم اللّه تعالى ، والقعود عن القيام بشكرها ، والغفلة عنها ، وهذا مرض القلب الذي ربما يتعدّى . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي : لا تنكروا أولياء اللّه ، ولا تشوّشوا قلوب المريدين ، بغيبة شيوخهم عندهم ، ولا تلقوهم إلى تهلكة الفراق ، وقنطرة النفاق . وأيضا لا تخرّبوا مزارع الإيمان في قلوبكم ، بالركون إلى الدنيا ولذّاتها . أما قولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ : فأوقعهم اللّه في شرّ الاستدراج ، وحجبهم عن إصلاح المنهاج ، فرأوا مساوءهم المحاسن ، فاحتجبوا عن المعنى ، وخرجوا بالدعوى ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا في ترك نصيحة العلماء ، ومصادفة الأولياء ، وهذا معنى قوله تعالى : وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ . وقيل : هُمُ الْمُفْسِدُونَ : بعصيان الناصحين لهم ، وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ؛ لأنهم محجوبون عن طرق الإنابة والهداية . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي : يتركهم على ما هم عليه ، ولا يهديهم إليه .